السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
64
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
في الناس أن سليمان كان ساحرا ، ولذلك فإن أكثر السحر يوجد عند اليهود ، فأنزل اللّه تعالى براءته بقوله عز قوله « وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا » لأنهم « يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ » ويأمرونهم به ، ولم يكن سليمان ساحرا وإنما كان نبيا ، وصاروا يدونون السحر ويعلمونه للناس لإغوائهم « وَ » يعلمون الناس أيضا « ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ » بلدة قديمة بأرض الكوفة من العراق ، سميت بذلك على ما قيل ، لأن تبلبل الألسن وقع فيها ، ويفهم من قوله تعالى ( وَما كَفَرَ ) أن تعلم السحر كفر ، وقدمنا ما يتعلق به في الآية 52 من سورة الشعراء المارة في ج 1 ، وهذا ما يدل على وجود الشياطين واختلاطهم مع البشر وأنهم كانوا قبل خلق آدم يسكنون الأرض بصورة ظاهرة كما بيناه في الآية 30 المارة وما ترشدك إليه من المواقع . مطلب في السحرة وهاروت وماروت والحكم الشرعي في السحر والساحر وتعلمه وتعليمه والعمل به : هذا وسبب إنزال الملكين على ما ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره أن الحكمة من ذلك هو أن السحرة كانوا يسترقون السمع من الشياطين ويلقون ما يسمعون بين الخلق ، فيشتبه بالوحي النازل على الأنبياء ، فأنزلهما اللّه تعالى إلى الأرض ليعلما الناس السحر فيظهر بذلك الفرق بين كلام اللّه تعالى وكلام السحرة . وقال ابن جرير الطبري إن اللّه عرّف عباده جميع ما أمرهم ونهاهم ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم بما أمروا به ونهوا عنه ، ولو كان الأمر على غير ذلك لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم ، والسحر مما نهى عباده عنه من بني آدم ، فغير منكر أن يكون اللّه تعالى علّمه الملكين اللذين سماهما « هارُوتَ وَمارُوتَ » اسمين أعجميين سريانيين وجعلهما فتنة لعباده كما أخبر عنهما بقوله « وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ » ابتلاء ومحنة « فَلا تَكْفُرْ » أي لا تتعلم السحر فتكفر إذا عملت به عملا يخالف شريعتك التي أمرك اللّه بها على لسان رسله باتباعها ، حذار حذار أيها الإنسان ، ومقاربة ما يؤدي إلى الكفر ، وإنما يقولان ذلك ليختبر اللّه عباده الذين نهاهم عن السحر وعن التفريق الملمع به إليهما بقوله جل قوله